ابن أبي الحديد

152

شرح نهج البلاغة

والنفس بالسياق تجذب ، والموت بالفراق يقرب ، والعيون لهول مصرعه تسكب ، والحامة عليه تعدد وتندب ، حتى تجلى له ملك الموت من حجبه ، فقضى فيه قضاء أمر ربه ، فعافه الجليس ، وأوحش منه الأنيس ، وزود من ماله كفنا ، وحصر في الأرض بعمله مرتهنا ، وحيدا على كثرة الجيران بعيدا على قرب المكان ، مقيما بين قوم كانوا فزالوا ، وحوت عليهم الحادثات فحالوا ، لا يخبرون بما إليه آلوا ، ولو قدروا على المقال لقالوا قد شربوا من الموت كأسا مرة ، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرة ، وآلى عليهم الدهر ألية برة ، ألا يجعل لهم الدنيا كرة ، كأنهم لم يكونوا للعيون قرة ، ولم يعدوا في الاحياء مرة ، أسكتهم الذي أنطقهم وأبادهم الذي خلقهم ، وسيجدهم كما خلقهم ، ويجمعهم كما فرقهم يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا ، ويجعل الله الظالمين لنار جهنم وقودا : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) ( 1 ) .

--> ( 1 ) سورة آل عمران 30 .